ابن أبي الحديد
99
شرح نهج البلاغة
( 234 ) الأصل : ومن خطبة عليه السلام : أوصيكم أيها الناس بتقوى الله وكثرة حمده على آلائه إليكم ، ونعمائه عليكم ، وبلائه لديكم ، فكم خصكم بنعمة ، وتدارككم برحمة ! أعورتم له فستركم ، وتعرضتم لاخذه فأمهلكم ! وأوصيكم بذكر الموت وإقلال الغفلة عنه ، وكيف غفلتكم عما ليس يغفلكم ، وطمعكم فيمن ليس يمهلكم ; فكفى واعظا بموتى عاينتموهم ; حملوا إلى قبورهم غير راكبين ، وانزلوا فيها غير نازلين ، كأنهم لم يكونوا للدنيا عمارا ، وكان الآخرة لم تزل لهم دارا . أوحشوا ما كانوا يوطنون ، وأوطنوا ما كانوا يوحشون ، واشتغلوا بما فارقوا ، وأضاعوا ما إليه انتقلوا ، لا عن قبيح يستطيعون انتقالا ، ولا في حسن يستطيعون ازديادا ، أنسوا بالدنيا فغرتهم ، ووثقوا بها فصرعتهم . فسابقوا رحمكم الله إلى منازلكم التي أمرتم أن تعمروها ، والتي رغبتم فيها ودعيتم إليها واستتموا نعم الله عليكم بالصبر على طاعته ، والمجانبة لمعصيته ، فان غدا من اليوم قريب . ما أسرع الساعات في اليوم ، وأسرع الأيام في الشهر ، وأسرع الشهور في السنة ، وأسرع السنين في العمر !